في يناير 2025، أدى دونالد ترامب اليمين رئيساً للمرة الثانية. في الأسابيع الأولى، فرض رسوماً جمركية على كندا والمكسيك والمملكة المتحدة وأوروبا، شكّك علناً في مبدأ الدفاع الجماعي للناتو، وأجرى مكالمات مع بوتين دون إعلام الأوروبيين. هذه ليست أخطاء دبلوماسية — إنها تعبير متسق عن فلسفة واحدة: العلاقات الدولية سوق، والقوة هي العملة الوحيدة.
حين يُصبح الحليف خصماً تجارياً
أول خطوة ترامب الاقتصادية: رسوم جمركية 25% على كندا والمكسيك — دولتان شريكتان في اتفاقية USMCA التي وقّعها ترامب نفسه في ولايته الأولى. ثم رسوم على السلع الأوروبية والصينية والآسيوية. الرسالة: لا فرق في التعامل التجاري بين الحليف والخصم — كل دولة مصدّرة هي منافس يضرّ بالوظائف الأمريكية.
الأوروبيون ردّوا بإجراءات مضادة. كندا أيضاً. الجميع يُفاوض. هذا بالضبط ما يريده ترامب: الجميع على الطاولة يُقدّم تنازلات لأمريكا. المشكلة: الحروب التجارية ترفع أسعار المستهلك الأمريكي نفسه — وهذا ما يتجاهله الخطاب الترامبي.
«إذا لم تدفعوا، لن نُدافع عنكم» — تحدٍّ للمادة الخامسة
المادة الخامسة من معاهدة الناتو تقول: الهجوم على عضو هجوم على الجميع. هذا المبدأ حافظ على السلام الأوروبي 75 عاماً. ترامب جعله مشروطاً: «إذا لم يدفعوا 2% (أو 5% كما يريد)، لن أُدافع عنهم». هذا لم يُلغِ الناتو رسمياً — لكنه زرع في ذهن بوتين وكل الحلفاء الأوروبيين شكاً في موثوقية الضمان الأمريكي. والشك كافٍ لتغيير الحسابات الاستراتيجية.
| الملف | الموقف الترامبي | الرد الأوروبي | التأثير |
|---|---|---|---|
| الرسوم الجمركية | 25% على الحلفاء | إجراءات مضادة + مفاوضات | ⚠️ توتر اقتصادي |
| الناتو | «ادفعوا أو لا ضمان» | زيادة الإنفاق الدفاعي | 🔴 تشكيك في الردع |
| أوكرانيا | وقف النار سريعاً | قلق من تنازلات لروسيا | 🔴 ضغط على كييف |
| الصين | رسوم 60%+ ومنافسة | ردود صينية مدروسة | ⚠️ حرب تجارية |
| قناة بنما | «سنستعيدها» | رفض بنامي + قلق صيني | 📊 ورقة ضغط |
ما وراء الفوضى: فلسفة متسقة
المنتقدون يرون ترامب فوضوياً لا استراتيجياً. لكن هناك منطق متسق: المصلحة القومية المباشرة فوق كل التزام دولي. أمريكا لا تدين لأحد. كل علاقة — حتى مع الحليف الأقرب — هي معاملة يجب أن تنتهي بمكسب قابل للقياس لأمريكا. هذا مختلف جذرياً عن مدرسة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي بنت أمريكا فيها نظاماً دولياً يخدم مصالحها على المدى البعيد — حتى بتكاليف قصيرة المدى.
«ترامب لا يُفكّك النظام الأمريكي عن جهل — إنه يُفكّكه عن قناعة. يرى أن النظام الذي بنته أمريكا خدم الآخرين أكثر مما خدمها. هذا خطأ تاريخي — لكنه ليس عشوائياً.»— زبيغنيو بريجنسكي جونيور، مستشار أمن قومي أمريكي سابق، 2025
للحلفاء الأوروبيين: انتهى عصر الضمان الأمني المجاني. أوروبا يجب أن تتسلّح وتدفع — وهذا رغم مرارته صحيح استراتيجياً.
للصين: المنافس الأكثر جدية. ترامب يرى في الصين التهديد الاستراتيجي الأول — وهنا يتفق مع المؤسسة الأمنية الأمريكية.
للنظام الدولي: تراجع الثقة في التزامات أمريكا. الدول تُحوسب بدائل وتتسلّح وتبحث عن شركاء آخرين. العالم متعدد الأقطاب يتسارع.
التناقض الجوهري: ترامب يُريد أمريكا «عظيمة» — لكن سياساته تُضعف المؤسسات التي جعلتها عظيمة فعلاً.
محلل في الجيوسياسة والعلاقات الدولية. يُدير ITAB ويُصدر مجلة ARES للجيوسياسة الاستراتيجية.