لا يوجد معاهدة تأسيسية. لا ميثاق رسمي، لا هيئة أركان مشتركة، لا مادة خامسة تربط مصائرهم تلقائياً في حالة عدوان خارجي. ومع ذلك، يمثّل المحور الصيني-الروسي-الإيراني على الأرجح أثقل حقيقة جيوسياسية في عصرنا. ثلاث قوى ذات تواريخ مختلفة جذرياً، وأنظمة سياسية متباينة، ومصالح أحياناً متعارضة، وجدت نفسها — برغماتية وضرورة وعدائية مشتركة تجاه نظام دولي تعدّه ظالماً — تشكّل أقوى ثقل موازن واجهته واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة.

الفصل الأول · الإرث التاريخي

من الانشقاق السوفيتي-الصيني إلى المصالحة البراغماتية

تبدأ قصة هذا المحور بمفارقة: الانفصال. في عام 1960، يستهلك الصين الماوية والاتحاد السوفيتي طلاق أيديولوجي يتحول إلى تنافس مفتوح، وصولاً إلى مواجهات مسلحة على نهر أوسوري عام 1969. ثم يأتي انهيار الاتحاد السوفيتي ليخلق شروط المصالحة: روسيا يلتسين المُذلّة تحتاج شركاء تجاريين، والصين الدنغ بينغ المنطلقة في طيرانها الاقتصادي تحتاج موارد طاقة. عام 1996، يُرسي البلدان «الشراكة الاستراتيجية» التي ستصبح، تحت شي جين بينغ وبوتين، العمود الفقري لعلاقة وصفوها في فبراير 2022 بـ«الشراكة بلا حدود».

«ما وقّعه شي وبوتين في فبراير 2022 ليس تحالفاً بالمعنى التقليدي. إنه إعلان نية جيوسياسي: لن يعيق أحدهما الآخر، وسيواجهان معاً أي محاولة غربية لاحتوائهما بصورة منفردة.» — دميتري ترينين، مدير مركز كارنيغي موسكو سابقاً، 2023
الفصل الثاني · الشراكات الثنائية

ثلاث علاقات ثنائية، هندسة مشتركة

المحور الصيني-الروسي-الإيراني ليس تحالفاً مثلثاً متماثلاً. هو مؤلّف من ثلاث علاقات ثنائية منفصلة — الصين-روسيا، وروسيا-إيران، والصين-إيران — تطورت كل منها وفق منطقها الخاص قبل أن تتلاقى في تقارب استراتيجي أشمل. خط أنابيب «قوة سيبيريا»، الذي افتُتح في ديسمبر 2019 بطاقة 38 مليار متر مكعب سنوياً، هو التجسيد الأكثر إثارة لهذا التكامل. أما في الميدان السوري، فقد قاتلت القوات الروسية والإيرانية جنباً إلى جنب سبع سنوات، مما أنتج مستوى من الثقة المتبادلة والتشغيل المشترك لم يكن لأي اتفاقية دبلوماسية أن تنتجه.

الفصل الثالث · محفزات التقارب الأخيرة

2022: حين تحوّل التقارب إلى تحالف عملياتي

إذا كان المحور الصيني-الروسي-الإيراني موجوداً في الجنين منذ العقد الثاني من الألفية الثالثة، فإن غزو أوكرانيا في فبراير 2022 هو ما دفعه من مرحلة التقارب في المصالح إلى التعاون العملياتي. في أقل من عامين، كثّفت الدول الثلاث تبادلاتها في مجالات — عسكرية وصناعية ومالية — كانت تبدو مستحيلة قبل عشر سنوات. الطائرات المسيّرة الإيرانية «شاهد-136» في أوكرانيا، والمكونات الإلكترونية الصينية في مصانع الدفاع الروسية، وصفقة النفط الروسي بأسعار مخفّضة لبكين — هذه هي المعالم الملموسة لما أنتجه المحور على أرض الواقع.

ن
ناصر الصبري
مدير · المعهد الدولي لتحليل التهديدات (ITAB)

محلل في الشؤون السياسية والأنثروبولوجيا السياسية والفكر الاجتماعي. يدير ITAB، المعهد المستقل لتحليل التهديدات الدولية. يعمل عند تقاطع علم الاجتماع والفلسفة والعلاقات الدولية.